هذا القرن لم يبلغ سن الرشد إلا للتو، لكنه نجح في احتواء قدر غير مسبوق من الاضطرابات والتقلبات. منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، مروراً بحروب متعددة وكوارث طبيعية وأوبئة والانهيار المالي العالمي وأزمات الديون التي أعقبته. شهدنا إطلاق Facebook وYouTube وiPhone — وهذا مجرد قمة جبل الجليد التكنولوجي الذي ظهر على الساحة. ثم شهدنا هذا العام دخول GDPR حيز التنفيذ، ولا يزال بندول Brexit يتأرجح مما يجعل الجنيه الإسترليني يصعد ويهبط. وكل ذلك على خلفية رئاسة ترامب التي تواصل بذر عدم اليقين على المستوى العالمي.
هل يُستغرب أن تسمع أصوات الجسور المتحركة ترتفع في كل أرجاء عالم الأعمال؟ هل تشعر بالضغط مع تشديد الميزانيات مجدداً، بينما تتمسك الإدارة العليا باستراتيجية التراجع وإخفاء الرأس والابتعاد عن أي شيء خارج عن المألوف؟
أقول في هذه المرحلة إننا ينبغي أن نكون قد اعتدنا على إدارة مسيرتنا وقيادة أعمالنا عبر هذا المستوى من الاضطراب والتغيير المحلي والعالمي. لقد ركبنا هذه الموجة فترة من الوقت، وليس يبدو أنها ستهدأ قريباً. علينا أن نتقبل أن هذه الأزمات باتت القاعدة لا الاستثناء، وأننا بحاجة إلى إيجاد طريقة للإبحار خلالها تضعنا في موضع النمو لا التراجع حين نخرج من الجانب الآخر.
غير أن الميل إلى التحصين وإغلاق الأبواب لا يزال يطغى في أغلب الأحيان.
بالنسبة للمدراء الماليين، يعني ذلك عادةً تشديد قبضة الإنفاق. بل الأمر أشد من ذلك في الواقع؛ يُرفع مستوى الرقابة إلى أقصاه وتُوضع المصروفات تحت المجهر. يبدو ذلك منطقياً، أليس كذلك؟ في الحقيقة، ليس منطقياً على الإطلاق، لذا يستحق الأمر مراجعة سبب كونه فكرة سيئة للغاية.
لا تنجرف نحو الإدارة التفصيلية المفرطة في مواجهة المراحل الاقتصادية الصعبة
من أكثر التأثيرات إثارة للاهتمام في الركود الاقتصادي أو الاضطراب المالي، أن الخوف والذعر يحوّلان القادة الذين كانوا ينظرون إلى موظفيهم باعتبارهم أعضاء قيّمين في الفريق إلى مستبدين منهمكين في الأهداف وغافلين عن كل شيء سواها. ونتيجة لذلك، تنكمش النفقات ويتحول المدراء إلى حراس يؤشرون على القوائم دون تفكير.
لا يحتاج المرء إلى خبير موارد بشرية ليخبره بأن هذا النهج مضادّ للإنتاجية في أغلب الأحيان. هذه هي أفضل طريقة لإحباط همّة فريق كان يعمل بكفاءة من قبل، والموظفون المحبطون أقل كفاءة من نظرائهم. لا أقترح اعتماد نهج متساهل في ما يخص إعداد الموازنة وإدارة المصروفات، بل أدعو إلى نهج ذكي.
بدلاً من التحكم الصارم في مدرائك، امنحهم صلاحية التحكم في موازناتهم الفردية. فالمدير وحده يعرف حقاً أي التكاليف يمكن تخفيضها بفاعلية دون أن يُفضي ذلك إلى عواقب وخيمة لاحقاً. ويتضمن نجاح هذا الأسلوب شقّين: أولاً، تأكد من أن رؤيتك واستراتيجيتك ملهمتان وواقعيتان في آنٍ واحد، بحيث يؤمن بهما المكلفون بتنفيذهما. ثانياً، أنشئ مساحة مركزية سهلة الاستخدام لتخزين المعلومات والوصول إليها ومشاركتها بيسر. وهذا على الأرجح لن يكون على هيئة نظام ERP على مستوى المنظمة بأكملها، الذي كثيراً ما يكون بالغ التعقيد ليفهمه المدراء. وحتماً ستنشأ تفسيرات خاطئة، أو سيطوّر المدراء نظاماً موازياً خاصاً بهم من جداول بيانات معيبة بعض الشيء ومتقادمة بالتأكيد.
زوّد مدراءك ببيانات الأداء الفعلية المرتبطة بموازناتهم على أساس يومي لا شهري. المعلومات محوّلة — إنها مقنعة، وتحفز على العمل، وتوضح الأهداف والتوقعات للجميع. إن أردت من موظفيك التوحد كفريق، ولا سيما في الأوقات الصعبة، فزوّدهم بالأدوات والمعلومات الصحيحة للقيام بمهامهم.
حينئذٍ سيكون فريقك مخوَّلاً باتخاذ القرارات التي لا يملك غيره صلاحية اتخاذها، بينما تحتفظ أنت بإشراف كافٍ لمتابعة الصحة المالية العامة للشركة ومصروفاتها عن كثب. وعندها، وبالرغم من أي تراجع اقتصادي، ستجد لديك موظفين أكثر سعادةً وولاء؛ وصورة واضحة عن موقعك في السوق؛ والثقة لتخفض الجسر المتحرك وتنخرط في العالم، بينما يقوم منافسوك بإحكام إغلاق ستائرهم وأبوابهم ويتحولون إلى ذكرى بعيدة في أذهان السوق.
