في عام 2017 كتبت مقالًا عن التخطيط للخلافة في العصر الرقمي بعنوان فكاهي إلى حد ما: Holy cow, the robots are coming ! بعد مرور ما يقارب ستة أعوام، بات من السهل القول إن الروبوتات تسير بيننا بالفعل. فمثلًا، إذا استمعت إلى بودكاست، أو حضرت حفل عشاء، أو فتحت LinkedIn، أو قرأت هذا المنشور، فستكون قد صادفت ChatGPT، روبوت الدردشة الذكي الذي يجعل البعض يتمسكون بمخاوفهم ويعلنون نهاية الحضارة، فيما يُبشّر به آخرون باعتباره أعظم اختراع منذ الإنترنت نفسها.
لا تباطؤ في الأفق
سرعة التغيير التكنولوجي مذهلة، وتسير بوتيرة متسارعة لا تُبدي أي مؤشر على التراجع. في السنوات الأخيرة، شهدنا صعود الحوسبة السحابية، والانتشار الواسع للأجهزة المحمولة، وظهور الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. وتُحدث هذه التطورات تأثيرًا عميقًا في الشركات بمختلف أحجامها وفي جميع القطاعات. فعلى سبيل المثال، أتاحت الحوسبة السحابية للشركات الوصول إلى المعلومات والبرمجيات من أي مكان وفي أي وقت، فيما غيّرت الأجهزة المحمولة أسلوب عمل الموظفين وتواصلهم. أما الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي فيُمكّنان الشركات من أتمتة المهام واتخاذ قرارات أكثر استنارة واستخلاص رؤى قيّمة من البيانات. ومن الواضح أن التكنولوجيا تُعيد تشكيل بيئة الأعمال، وسيتمتع من يتبنّاها بميزة تنافسية كبيرة على من لا يفعل ذلك.
التكنولوجيا & المحاسبون
وتيرة التغيير التكنولوجي في مجال المحاسبة غير مسبوقة، وهي تُلقي بظلالها الكبيرة على أسلوب عمل المحاسبين. ولّت أيام المحاسبة اليدوية والحسابات الشاقة على جداول البيانات. إذ يعتمد المحاسبون اليوم على برمجيات وأدوات متقدمة لأتمتة المهام وتبسيط العمليات وتقديم خدمات ذات قيمة مضافة لعملائهم.
فعلى سبيل المثال، يُتيح برنامج المحاسبة السحابي للمحاسبين الوصول إلى المعلومات المالية وإدارتها من أي مكان وفي أي وقت، فيما يُستخدم الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لأتمتة المهام المرهقة، كإدخال البيانات والمطابقة. علاوة على ذلك، تُمكّن الأجهزة المحمولة المحاسبين من العمل أثناء التنقل والاستجابة لطلبات العملاء بسرعة وكفاءة. وتُغيّر هذه التطورات قواعد اللعبة بالنسبة للمحاسبين، وسيتمتع من يتبنّى التكنولوجيا منهم بميزة تنافسية في سوق أكثر سرعة وتنافسية.
الروبوتات لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب
من الواضح أن النقطة التي أثرتها عام 2017 لا تزال صحيحة: يحتاج تخطيط الخلافة اليوم إلى التفكير فيما سيحدث لموظفينا حين تتولى الروبوتات جزءًا (أو حتى معظم) وظائفهم. وبالتأكيد، لا يزال ChatGPT في مراحله الأولى. كما يصف مقال AccountingWEB الأخير، حاول روبوت دردشة ذكاء اصطناعي اجتياز امتحان ACCA (رابطة المحاسبين القانونيين المعتمدين) وأخفق بفارق بسيط. وأظهر الروبوت فهمًا جيدًا في بعض المجالات لكنه عجز عن التعامل مع الأسئلة الأكثر تعقيدًا. وهذا يُبيّن أنه على الرغم من التطور المتزايد للتكنولوجيا والأتمتة في مجال المحاسبة، لا يزال هناك طريق طويل قبل أن تتمكن الآلات من استبدال الخبرة الإنسانية والحكم البشري استبدالًا كاملًا.
ومن المؤكد أن الوتيرة التي تنضج بها التقنيات الجديدة تتسارع هي الأخرى. يختلف ChatGPT اختلافًا جوهريًا عن روبوتات خدمة العملاء المُحبطة التي تبدو مبرمجة لاستفزاز المستخدمين. إذ يتفاعل مع المستخدمين كالإنسان تمامًا، ويتذكر ويتعلم من أجزاء سابقة من المحادثة. وقد سارعت Microsoft، المستثمرة في الشركة الأم لـ ChatGPT وهي OpenAI، إلى دمج ChatGPT في محرك البحث Bing، والتقنية الأساسية في أحدث إصدارات Teams.
جودة المُدخلات تُحدد جودة المُخرجات
غير أن ذلك لا يعني أن البشر سيختفون في المدى المنظور. إذ ينطبق مبدأ garbage in, garbage out (GIGO) أكثر من أي وقت مضى. خذ ChatGPT مثالًا: فجودة إجاباته مرهونة بجودة التعليمات التي تُزوّده بها، لذلك دون خبرة وقدرة على صياغة المتطلبات بوضوح، ستكون نتائجك في أحسن الأحوال مبتذلة، وفي أسوأها معطوبة وربما ضارة. وكما يقول أحد مطورينا: يمكنه أن يرتقي بمطوّر متوسط ليصبح جيدًا، وبالجيد ليصبح ممتازًا، وبالممتاز ليصبح نجمًا. لكنه لا يستطيع أن يُحوّل المتوسط إلى نجم.
علاوة على ذلك، لكل قطاع متطلبات ولوائح وقوانين خاصة يجب الامتثال لها. وفي حالتنا، نحتاج إلى التفكير مليًّا في الأخلاقيات والشفافية والمساءلة عن الأخطاء.
إذن، لنعد إلى نقطتي الأصلية. سيُدرك البشر الأذكياء كيفية التعايش مع الروبوتات، وسيكونون واضحين جدًا بشأن ما يُقدّمه كل طرف للعلاقة. ولتحقيق ذلك، سنحتاج إلى صقل مجموعة من المهارات الجديدة، والتفكير العميق فيما نفعله وكيف نفعله وكيف نُدرّب بعدها زملاءنا من البرمجيات. وكما نقل Tom Herbert في المقال الذي أشرت إليه أعلاه حول تقدّم ChatGPT لامتحان محاسبي : «إنه أشبه بموظف جديد مبتدئ مقتنع دائمًا بأنه على صواب، لذلك يحتاج المستخدمون إلى التعامل معه بقدر من الحذر.»
هل تستطيع اكتشاف الروبوت؟
شيء واحد يمكننا الجزم به هو أننا بوصفنا محاسبين بحاجة إلى مواكبة التطورات التكنولوجية. تظهر أدوات وقدرات جديدة باستمرار. ستكون بالتأكيد غير ناضجة وقاصرة في البداية، وكثيرًا ما تحتاج مبتكرين آخرين لبناء منظومة حولها كي تكون مفيدة فعلًا، لكنها ستتحسن وتصبح أسرع وأكثر لا غنى عنها. ChatGPT أحد هذه الأدوات: ثلاثة فقرات ونصف في هذا المقال كتبها الروبوت. هل تستطيع تحديد أيّها؟
كما نُشر على - AccountingWeb فبراير 2023
