هذا هو المقال الأخير في سلسلة من ثلاثة مقالات تدرس ما إذا كانت الموازنة والتخطيط قد أصبحا تخصصًا متقادمًا. تناولت المقالات السابقة ما إذا كان بمقدورك التخطيط والتنبؤ وإعداد الموازنة حين تبدو الأحداث الاستثنائية تتكرر كل أسبوعين، وما إذا كان بالإمكان إعداد الموازنة بسرعة كافية اليوم. في هذا المقال، يجادل Phillips بأننا بحاجة إلى التكيّف مع المستوى الراهن من التغيير في العالم.
إنه لأمر مريح أن نظن أننا قد نعود في نهاية المطاف إلى «الحالة الطبيعية»، وأن السنوات الأخيرة ستتلاشى في الذاكرة وتتحول إلى سلسلة من القصص التي تُشكّل مسيرة حياتنا. لكن ألا يعني ذلك أن كل ما قمنا به من تكيّف وتحوّل ومناورة للبقاء مؤخرًا لم يكن سوى إجراءات قصيرة المدى، وأننا سنعود إلى ما كنا عليه؟ وأننا في الواقع سنعود إلى عالم تكون فيه دورة مالية مدتها 365 يومًا منطقية؟
للأسف لا. في الواقع، ينبغي لك أن تعتبر العمل الذي أنجزته لتمكين أنظمة وعمليات إدارة الأداء المؤسسي من مواكبة الأحداث خلال الجائحة بمثابة معسكر تدريبي لما هو قادم. فكما أن كثيرًا من التوجهات، كالعمل عن بُعد مثلًا، كانت قيد الظهور أصلًا وتسارعت بفعل الجائحة، فإن عالمًا فوضويًا وغير قابل للتنبؤ كان يتشكّل بالفعل، غير أنه تسارع في السنوات الأخيرة.
ثلاثة أسباب تجعل وتيرة التغيير لن تتباطأ
1. الذيل الطويل لكوفيد
سيستمر تأثير COVID-19 بسبب التفاوت العالمي في اللقاحات، والفتح والإغلاق غير المتسق للحدود، كما حدث في جنوب أفريقيا بعد أن نبّه علماؤنا العالم إلى متحور أوميكرون. علاوة على ذلك، من المرجح أن معدلات الإصابة ستستمر في التذبذب. وأحدث مثال على ذلك، شهدت هونغ كونغ أولى موجاتها الحقيقية من الإصابات بكوفيد في مطلع عام 2022.
2. سلاسل الإمداد العالمية المثقلة بالضغوط
تواجه سلاسل الإمداد العالمية، التي أثقلتها الجائحة أصلًا، جملةً من التحديات الأخرى. فالأحداث الجيوسياسية، كالغزو الروسي لأوكرانيا مثلًا، يمكن أن تُفضي إلى سلسلة من التداعيات. في هذه الحالة، سيتأثر إمداد الغذاء والوقود وأسعارهما في أنحاء العالم، مما يُلقي حتمًا بظلاله السلبية على تكلفة المعيشة بوجه عام. ويأتي ذلك في وقت كان يُؤمَل فيه أن تبدأ اقتصادات العالم في التعافي من تداعيات الجائحة. يُضاف إلى ذلك أن روسيا تُعدّ منتجًا رئيسيًا لمعادن كالنيكل والبلاديوم، المستخدمَين في صناعة بطاريات الليثيوم ومحولات المحفز على التوالي. (غير أن ارتفاع أسعار هذه المعادن قد يعود بالنفع على جنوب أفريقيا وزيمبابوي اللتين تنتجانهما أيضًا.)
كما تُلحق الأزمة المناخية وتصاعد وتيرة الأحداث الجوية المتطرفة أضرارًا جسيمة بسلاسل الإمداد العالمية؛ ففي عام 2021، تسبّب إعصار إيدا على الساحل الشرقي للولايات المتحدة في تأخيرات واسعة في شحن البضائع بحرًا على المستوى العالمي.
يُهدّد الجرائم الإلكترونية أيضًا سلاسل الإمداد، في ظل التحوّل الرقمي المتسارع للمنظمات، بما فيها البنية التحتية التشغيلية. فقد عانى شرق الولايات المتحدة العام الماضي من نقص في الوقود بعد توقف Colonial Pipeline، أكبر خطوط الأنابيب في البلاد، جراء هجوم ببرنامج الفدية.
3. الرقمنة
ثمة عامل آخر لا ينبغي أن يفاجئنا، وهو التسارع المتزايد للتغيير المدفوع بالرقمنة. يُشير تقرير Deloitte المعنون بـ Digital Future Readiness إلى أن هذا التغيير سيتجلّى في تطور توقعات العملاء، وتحوّل المنتجات والخدمات، وتغيّر اقتصاديات الإنتاج والتوزيع. ومع تزايد ألفة الناس بالعمل عن بُعد والتجارة الإلكترونية، ستتسارع هذه التوقعات، وستضطر الشركات إلى التكيّف والابتكار باستمرار.
بالطبع، لا يوجد أيٌّ من هذه العوامل في معزل عن الآخر. بل تُشكّل في مجموعها شبكة متشابكة من الترابطات والتأثيرات التي تُغذّي جميعها وتيرة متسارعة من التغيير وتزيد حدة الغموض. وهو ما يعني، عودةً إلى نقطتي الأصلية، أن المعلومات ستستمر في التقادم السريع في عالم ما بعد الجائحة.
لذا، فإن العمل المُنجز اليوم لضمان حصول الفريق الإداري على وصول مستمر إلى معلومات فورية ومحدّثة يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية. ويشمل ذلك استقاء الرؤى من الأشخاص الموجودين في الخطوط الأمامية للمنظمة، إذ هم من يشهدون التغييرات فور وقوعها ويستشعرون ما هو قادم. كذلك تحتاج الشركات إلى الأدوات والعمليات الصحيحة لتمكين معالجة أسرع لهذه المعلومات والقدرة على إدراج هذه التغييرات في توقعاتها أو توقعاتها المالية. ويحتاج الفريق المالي إلى القدرة على اختبار افتراضات جديدة وإعادة التنبؤ بصفة آنية. وهذا ما سيضمن قدرته على تقييم تأثير التغييرات وتوجيه الشركة نحو الخطوة التالية.
ينبغي أن يقنعك هذا بأن أي جهود لدعم تدفق معلومات أسرع وأكثر استجابة في دورات موازنة وتنبؤ أقصر وأكثر تكرارًا خلال الأزمة الصحية لن تكون مجرد حلول مؤقتة قصيرة المدى، بل ستكون في الواقع بالغة الأهمية في مشهد الأعمال المستقبلي.
كما نُشر في Business Brief - أغسطس/سبتمبر 2022
