رؤى وتحليلات

الصيف الأبدي وأنظمة الضرائب الوطنية

الصيف الأبدي وأنظمة الضرائب الوطنية

هل أتاح الوباء إمكانية تحقيق الصيف الأبدي الذي طال انتظاره؟ وإن كان كذلك، وبصورة أكثر واقعية، ماذا يعني ذلك لأنظمة الضرائب الوطنية؟ هل سنشهد تراكم كتلة حرجة من «السنونوات» النشطين اقتصاديًا على مدى العقد القادم، مما يجعل المناهج والأنظمة الضريبية الحالية عفا عليها الزمن؟

اليوم، لا تحتاج إلى انتظار التقاعد لتصبح «سنونوة» — وهو المصطلح المتعارف عليه لوصف من يتبع الشمس إلى مسكن ثانٍ في مدينة ككيب تاون مثلًا، حيث يقضي فصول شتاء نصف الكرة الشمالي. العمل الهجين جاء ليبقى، وهذا يتيح صيفًا لا نهاية له لأي شخص. فأشخاص من مختلف الأعمار وأوضاع العمل باتوا قادرين على التحرر من محل إقامة ثابت ومن روتين يومي للعمل من أي مكان.

بيع كل شيء والانطلاق بسيارة مقطورة عبر إسبانيا والبرتغال مع الحفاظ على وظيفة بدوام كامل بات ممكنًا تمامًا. بعد عامين صعبين من الوباء، يُعيد كثيرون النظر جديًا في مكانتهم في سباق التحصيل المحموم، ويتأملون كيف يحسّنون جودة حياتهم. ومن المؤشرات على ذلك أن غياب المرونة في العمل عن بُعد بات سببًا رئيسيًا يدفع الشركات إلى فقدان موظفيها وعجزها عن استقطاب أفضل الكفاءات.

تتغلب أدوات التعاون والتواصل المدعومة بالتكنولوجيا بسهولة على الفواصل الجغرافية. وقد أثبت العمل القسري من المنزل أن العمل عن بُعد قد يكون منتجًا بالقدر ذاته، بل أكثر أحيانًا، من الحضور الجسدي في المكتب.

لكن ماذا يعني ذلك للأنظمة الضريبية الحالية؟ من منظور واحد، الضريبة على الدخل الشخصي عقد بينك وبين الدولة، تُسهم بموجبه بجزء من راتبك في خزينة الدولة لتمويل خدمات كالتعليم والرعاية الصحية والنقل التي تعود بالنفع على الجميع؛ غير أن لهذه العملة وجهين. وهذا موضوع بالغ التعقيد تتشابك فيه كثير من القضايا. لا يتسع حجم هذا المقال لتحليل شامل ومستفيض لكل فروقه الدقيقة، لكن يستحق الأمر التأمل في بعض وجهات النظر الأكثر شيوعًا والأشد تناقضًا التي تطفو على السطح.

فعلى سبيل المثال، نظرًا للطابع «التعاملي» للعلاقة الضريبية، هل من المعقول أنك، بحكم مكان ميلادك أو جنسيتك المكتسبة، مُلزم بالمساهمة في الموارد الوطنية لبلد لا تقيم فيه؟ وفي المقابل، هل من المعقول أن تستفيد من الموارد المشتركة لأي بلد تصل إليه سيارتك المقطورة دون أن تكون قد أسهمت في بناء تلك الموارد؟

وماذا عن التزامنا الفردي بالمساهمة في الموارد التي نستخدمها؟ هل من المعقول أنك، بفضل أسلوب حياتك الترحّلي وإعداد ضريبي شخصي ذكي ومشروع تمامًا، تدفع ضرائب قليلة أو لا تدفعها على الإطلاق، مع استمرار استفادتك من الموارد المشتركة في أي مكان بالعالم؟ والوجه الآخر للسؤال هو: هل من المعقول أن تعتبر دولة ما دخلك العالمي الكامل، أيًا كانت مصادره، خاضعًا للضريبة فيها؟

وماذا عن التقاعد؟ هل من المعقول أن تعيش في بلد طوال حياتك المهنية ثم تتقاعد في بلد آخر لم يستفد قط من قرش واحد من ضرائبك الشخصية؟

في الوضع الراهن، إذا كنت تعمل في بلد وتحمل جنسية بلد آخر، فعليك التعامل مع متاهة ضريبية تتباين من دولة إلى أخرى بحسب إعفاءات الدخل الأجنبي واتفاقيات الازدواج الضريبي والقواعد المتغيرة في أثناء الوباء. يبدو أن تشابك الأنظمة واللوائح يشير إلى أن الإطار الضريبي الحالي يعاني بالفعل من ضغوط متزايدة مع تطور العالم.

فعلى سبيل المثال، قد تفضي القواعد الحالية إلى مطالبة بلد مولدك بالفارق في الضرائب المدفوعة إذا كنت تعيش وتعمل وتدفع الضرائب في بلد ذي معدل ضريبي أدنى. (ومن البديهي أن لا مكتب ضرائب سيطرق بابك ليرد إليك أموالًا إذا كان الأمر معكوسًا!) ومثال آخر: يوم واحد تقضيه في بلد بدلًا من آخر قد يُكلّفك أو يوفّر لك مبالغ طائلة. وثغرات قانونية تمامًا مثل قواعد وضع غير المقيم في المملكة المتحدة قد توفّر عليك ملايين بينما تُكلّف بلد إقامتك ذلك المبلغ ذاته. ومن الواضح أن هذا المستوى من التعقيد يتجاوز قدرات أغلب البشر، وأن مواكبة التغييرات في الأنظمة ستستلزم الاستعانة بخبير ضريبي متخصص!

إذا كانت «السنونوات» النشطون اقتصاديًا يمثلون مستقبل المجتمع، أو على الأقل نسبة كبيرة منه، فإن الأنظمة الضريبية الوطنية ستضطر حتمًا إلى التغيير بصورة جذرية للتكيف مع هذا الواقع الجديد. فإن لم تفعل، تواجه الدول تهديدًا حقيقيًا لميزانياتها الوطنية وقدرتها على تمويل إدارة شؤون الدولة.

ما النهج الجديد المعقول الذي يكون عادلًا للمكلّف بالضريبة وللبلد الذي تُستخدم موارده؟ هل نحتاج إلى إعادة النظر كليًا في مبادئ وأسس الضرائب التي باتت عتيقة؟

خطوة أولى ستكون تبسيط حساب الضرائب ودفعها بصورة جوهرية، لا سيما إذا لم تنتمِ بدقة إلى خانة كونك مواطنًا في البلد الذي تعمل فيه وتتأتى منه دخولك. وإليك فكرة خارج المألوف: ماذا لو وجد نظام ضريبة دخل شخصي بالدفع حسب الاستخدام مرتبط بموقعك الحالي — وبالتالي بالأمة التي تستخدم مواردها — ومفصول عن ما بات في عالم اليوم علاقة اعتباطية بجنسيتك أو مصدر دخلك؟ وثمة بديل آخر هو إلغاء ضريبة الدخل الشخصي والاستعاضة عنها بضريبة على الإنفاق كضريبة القيمة المضافة، بحيث تدفع ضرائبك فعليًا حيث أنت، طالما أقمت هناك. أم أن الخيارين يؤديان في نهاية المطاف إلى الشيء ذاته؟

كما نُشر في AccountingWeb - 9 June 2022