يكثر الحديث عن الاضطراب الرقمي اليوم حتى بات من السهل نسيان أن أحد أبرز المحركات للتغيير على الإطلاق يجلس بهدوء على أجهزتنا منذ ثلاثة عقود. نعم، إنه برنامج جداول البيانات المتواضع، وعلى الأرجح Microsoft Excel.
وعلى الرغم من أن أيامي في المحاسبة تعود إلى حقبة الكومبتومتر، فإنني بالكاد أتذكر وقتاً كانت فيه جداول البيانات حرفياً أوراقاً منتشرة على مكتبي!
والحمد لله على ذلك أيضاً. يقشعر بدني حين أفكر في كيف كانت ستبدو حياة المحاسبين والشركات دون الإمكانات المتعددة التي تتيحها لنا جداول البيانات. ولا سيما في عالم اليوم المحوري حول البيانات. من إجراء العمليات الحسابية بسرعة على صفوف وأعمدة وصفحات متعددة من الأرقام، إلى تجميع المعلومات من مصادر متنوعة، إلى تشغيل السيناريوهات بأرقام مختلفة، إلى تحليل البيانات بفضل الجداول المحورية والماكرو، وحتى تشغيل برامج صغيرة. إن جداول البيانات هي حقاً أحصنة عمل بياناتنا.
لذا ليس مستغرباً أن تكون جداول البيانات قد تجاوزت حدود القسم المالي، وباتت في أغلب الأحيان وسيلة التواصل بين الإدارة المالية وبقية الشركة. ومن الغريب أنه يُفترض من الجميع، سواء مارسوا ذلك فعلياً أم لا، أن تكون لديهم قدر من المعرفة بـ Excel. فالمصممون مثلاً لا يتوقعون من الآخرين أن يستطيعوا استخدام Photoshop.
ومع ذلك، يُتوقع من أي وظيفة ملء نماذج مطالبة النفقات القائمة على جداول البيانات، أو تحديث التوقع بأرقام العام القادم، أو تطبيق ميزانية جديدة معدّلة لاقتصاد صعب.
لكن للأسف، باتت جداول البيانات ضحية نجاحها الخاص. ثمة أمور عدة تحدث عادةً حين تبلغ جداول البيانات حجماً حرجاً من حيث المستخدمين أو البيانات أو كليهما. تكبر جداول البيانات أكثر فأكثر، وتزداد تعقيداً، وتصبح أكثر عرضة للتعطل، وأقل موثوقية من حيث الدقة. المؤلف الأصلي وحده يفهم منطق إعدادها، وإن غادر الشركة، رحلت معه هذه المعرفة.
في غضون ذلك، كلما أسهم مزيد من غير المتخصصين الماليين في جدول البيانات، يُهجر التحكم في الإصدارات، ويفعل الناس أشياء لا معنى لها إلا لأنفسهم، بما فيها جمع أرقامهم بآلة حاسبة وإدخال المبالغ النهائية مباشرة في جدول البيانات كنص عادي. (يحدث هذا فعلاً!) تسير الأمور يدوياً وببطء، وتتسلل الأخطاء: الأثر التسلسلي لفاصلة واحدة في غير مكانها قد يكون كارثياً، وبقدر صعوبة إيجاد إبرة في كومة قش.
فجأةً، لم يعد جدول البيانات يوفر لك وقتاً أو مالاً، ولا يمنحك رؤية دقيقة ومحدّثة لمعلومات الأعمال الحيوية. بل صار حجر طاحونة يثقل كاهلك ويعرضك للمخاطر.
كشفت دراسة أجريت عام 2015 عن نظرة غير مسبوقة على نطاق هذه المشكلة. باستخدام أكثر من 15,000 جدول بيانات من شركة Enron Corporation كمجموعة بيانات، أظهرت الدراسة أن:
- 24% من جداول البيانات التي تحتوي على صيغة واحدة على الأقل كانت تحتوي على خطأ، وستة من كل عشرة منها كانت تحتوي على خلايا تابعة؛
- 76% من جداول البيانات استخدمت نفس الـ 15 دالة فحسب — بالكاد تخدش سطح قدرات Excel.
- بريد إلكتروني واحد من كل عشرة أُرسل كان يتضمن جداول بيانات أو يشير إليها، وكانت الأخطاء فيها والتحديثات عليها في الغالب موضوع النقاش.
ألا تظن أنه حان الوقت للتوقف عن إثقال كاهل جداول البيانات المجتهدة؟ والتوقف عن مطالبة المديرين غير الماليين، أو توقع، أن يواكبوا التفكير المالي: فبعد كل شيء، جداول البيانات ترقمن الوظائف المالية القائمة، لكنها لا تُزيل الغموض عنها بالضرورة لبقية المؤسسة.
لكن الحل لا يكمن في التقوقع على الذات. لطالما دافعت عن أن أفضل طريقة للحصول على المعلومات الصحيحة وكسب تأييد الشركة، ولا سيما في وقت الموازنة والتوقع، هي لامركزية هذه الوظيفة إلى الخطوط الأمامية التشغيلية. والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي منح المديرين غير الماليين أدوات بديهية وسهلة الاستخدام لا تستلزم منهم فهم ما يجري خلف الكواليس. من الأهمية بمكان أن يتمكنوا من تحديد ميزانياتهم وإدارتها بأنفسهم، مع المرونة للتكيف مع تغيرات السوق، بدلاً من أن يجاهدوا في التعامل مع جداول بيانات معقدة.
البشرى السارة أن هذا يُحرر قسم المحاسبة أيضاً. فبدلاً من البحث عن إبر في كوم القش، أو إعادة هندسة الطرق الغريبة التي استخدم بها الناس Excel، يمكننا توجيه عقولنا إلى أنشطة أكثر استراتيجية وأعمق أثراً.
ربما حان الوقت لمد يد العون لجداول البيانات المثقلة بالأعباء؟
كما نُشر في Accountingweb بتاريخ 25 أكتوبر 2017 https://www.accountingweb.co.uk/community/blogs/kevin-philips/spreadsheets-victims-of-their-own-success
#Software #nonfinancialuser #Digitaldisruption #data #Accountingweb #financedepartment #MicrosoftExcel #errorsinspreadsheets #finance #Microsoft #Forecast #spreadsheets #versioncontrol #digital
