رؤى وتحليلات

الركود والصمود

الركود والصمود

ربما تقترب فترة ركود قريباً؛ أو ربما تأتي لاحقاً. يشتهر الاقتصاديون بعدم قدرتهم على التعرف على فترات الركود حتى نكون فيها — لكننا نعلم على أقل تقدير أن فترة ركود أخرى ستأتي في نهاية المطاف.

في ضوء هذا اليقين، ما أفضل طريقة للتعامل مع تباطؤ اقتصادي وشيك؟ بالنسبة لمعظم الناس، الاستجابة الفطرية هي التهيؤ كما لو كانت كارثة: إحكام الفتحات، وتشديد الإجراءات الدفاعية، وتقليص الإنفاق — أياً كانت الاستعارة المستخدمة لتخزين الموارد وخفض الإنفاق وتقليص التعرض للمخاطر.

استجابتنا الغريزية منطقية في سياق تخزين الغذاء لشتاء طويل أو تحسباً لمجاعة — لكن في عالم أكثر تعقيداً مما واجهه أجدادنا، قد تكون بعض هذه الردود الفعل عكسية الأثر، لا سيما غريزة الامتناع عن الإنفاق. فعلى سبيل المثال، تُفيد Deloitte في أحدث استطلاعاتها للمديرين الماليين (CFO) الأوروبيين بأن الشركات التي أعادت الاستثمار بشكل أكبر خلال الركود الأخير، لا سيما تلك الأكثر تقدماً في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حققت معدلات نمو أعلى خلال مرحلة التعافي. وتُعزى هذه النجاحات إلى التفكير المستقبلي والتخطيط للاستفادة المبكرة من الفرص التي تصاحب التعافي حتماً.

وبالمثل، يرى شركاء McKinsey في مقال بـHarvard Business Review أنهم يتوقعون أن تستثمر الشركات خلال الركود القادم في الأدوات الرقمية وتعتمد عليها بصورة متزايدة لتحسين الجودة وتبسيط العمليات ورفع الإنتاجية.

إذن، الركود فرصة للاستثمار بتروٍّ واستراتيجية في أدوات تُعزز صمود مؤسستكم ورشاقتها. ومن أثمن هذه الأدوات تلك القادرة على تحسين التواصل والشفافية والمساءلة عبر الشركة.

على سبيل المثال، تلجأ بعض المنظمات إلى المركزية في أوقات الأزمات تبعاً لاحتياجاتها وثقافتها، فيما تختار أخرى اللامركزية. أياً كان الاختيار، تظل الرؤية أمراً محورياً: يحتاج صانعو القرار إلى معرفة ما يجري على كل مستوى في المنظمة، ويحتاج الموظفون إلى توجيهات واضحة من مديريهم وقياداتهم، وتحتاج الفرق إلى التواصل الواضح في جميع أنحاء المنظمة. مهما كان قدر الفوضى والتضارب الذي يمكن تجاوزه في الأوقات الجيدة، فلا مجال له حين تشتد الضائقة. ونحتاج تحديداً إلى الاستفادة الكاملة من العقول المجتمعة لكل أفراد المنظمة — جمع كل موارد المعرفة والمهارة والموهبة والخبرة والإبداع المتاحة واستثمارها.

هذا منطق بديهي في بعض وجوهه — لكننا نعلم جميعاً أن البديهة ليست شائعة بالقدر الكافي، لا سيما حين يشعر الناس بالقلق والخوف. ومن أشد ردود الفعل خطورةً وتدميراً للذات أن يبدأ المرء بإخفاء المعلومات أو حجبها، وذلك في الغالب بسبب الاعتقاد الخاطئ تماماً بأن إتاحة صورة دقيقة للواقع أمام الناس سيثير الذعر أو يُشجع على الاستسلام.

ثمة مثال بليغ في المسلسل التلفزيوني المُشاد به عن جدارة Chernobyl. ففي الحلقة الأولى، يتفق مسؤولو الحزب المحليون في ليلة انفجار المفاعل النووي على عدم إخبار سكان البلدة المحليين بما جرى — لحمايتهم من وجهة نظرهم. وقد مضى ما يقارب يومين قبل أن تُجلَّى المدينة. وقد أسهمت أكاذيب وإغفالات وعمليات إخفاء أخرى إسهاماً بالغاً في المعاناة الإنسانية في أعقاب الكارثة.

ومهما كان مُغرياً أن نقنع أنفسنا بأن إخفاء المعلومات كان داءً خاصاً بروسيا الحقبة السوفيتية، فإننا نعلم جميعاً أن الأمر ليس كذلك. مراراً وتكراراً يحجب القادة الحقيقة عن المشكلات التي تواجه مؤسساتهم أو يلطّفونها — سواء من خجل أو خوف أو اعتقاد بأنهم قادرون على حلها وحدهم أو إنكار صريح أو خليط من كل ذلك.

قد تؤلم الحقيقة فعلاً — لكن تجنّبها يؤلم دائماً أكثر في النهاية. قيادة الناس بنجاح عبر الأوقات الصعبة تتطلب الشجاعة للجهر بالحقيقة — وللسعي إلى قبول مساهمات بقية أفراد المنظمة.

فقط حين يحظى كل فرد في المنظمة بإمكانية الوصول إلى كل المعلومات التي يحتاجها يمكنه حقاً التفرغ لحل المشكلات وتطوير أفكار جديدة وخلق فرص جديدة. اختيار الأدوات الرقمية التي تُيسّر تدفق المعلومات عبر المنظمة واستخدامها أمر لا غنى عنه لبناء الصمود اللازم لاجتياز الأوقات العصيبة.

لذا، إن وجدتَ نفسك قلقاً على المستقبل، أوقف ردود أفعالك الغريزية. توقف؛ تأمل؛ انظر إلى الأمام — ثم اختر الأفعال والاستثمارات التي ستُقوّي مؤسستك لا تُضعفها.

كما نُشر في AccountingWeb – 28 أغسطس 2019

#economists #resilience #risk #agility #Transparency #accountability #recession