الآباء الفاعلون، كالقادة الفاعلين، يهدفون إلى تمكين من يتولّون رعايتهم
المهمة الأهم للوالدَين هي إخراج إنسان بالغ قادر على البقاء والازدهار بمفرده إلى هذا العالم: يكسب رزقه، ويُقيم علاقات مستقرة، ويُسهم في خدمة مجتمعه. وتحقيق هذا الهدف يستلزم عقوداً من الرعاية المستمرة، مع منح الأطفال استقلالية ومسؤوليات تتصاعد تدريجياً بتصاعد قدراتهم.
في أُطر زمنية أقصر بكثير (وعادةً دون الأحضان وألعاب الكرة)، يتشابه قيادة البشر في بيئة العمل مع التربية. فالمديرون الذين يُدققون في كل صغيرة وكبيرة، كالآباء المُفرطين في الحماية، يُسيئون إلى أنفسهم وإلى من يتولّون رعايتهم، إذ يُخفقون في تنمية المساءلة والمسؤولية والمبادرة المستقلة.
من البديهي بالطبع أنه ليس من الحكمة معاملة الموظفين كأطفال — لكن فهم ما يُزعج الناس بالضبط حين يُعامَلون معاملة الأطفال هو تمرين نافع. فلا أحد منا يستسيغ أن يُستخفّ به أو يُصاح في وجهه، أو أن يُتوقع منه تنفيذ التعليمات أعمى دون تساؤل حتى حين تبدو سخيفة. وبشكل أكثر دقة، لا نتجاوب حين نشعر أن قدراتنا تُقلَّل من شأنها، أو أن أفكارنا لا تُستمع، أو أن حريتنا مُقيَّدة بلا مسوّغ، أو أننا محرومون من معلومات تعنينا.
والغريب أن الأطفال أنفسهم لا يحبون هذه المعاملة. معظم الناس يستطيعون تذكّر بالغ واحد على الأقل كان متعجرفاً ومتسلطاً مما كرهوه في طفولتهم — ذاك الذي لا يُصغي أبداً ويفترض الأسوأ دائماً. هذه التصرفات تُضعف القيادة في بيئة العمل كما تُضعفها في الأسرة والمدرسة.
البشر بوجه عام، صغاراً وكباراً، يميلون إلى الازدهار في البيئات التي يشعرون فيها بالتقدير والدعم، وحين يُتحدّون بصورة ملائمة لتنمية مواهبهم وقدراتهم، وحين تُكافأ المبادرة وتحمّل المسؤولية.
طفل صغير ينجح في إتقان مهام أساسية كارتداء ملابسه وتنظيف أسنانه بمفرده قد يُكافأ بقدر أكبر من الحرية بعيداً عن المراقبة المستمرة للوالدَين والإزعاج مثلاً؛ والمراهق الذي يُسهم بنصيبه العادل في الأعمال المنزلية قد يحصل على مصروف أو حريات إضافية. المسؤولية والحرية تتقدمان جنباً إلى جنب كلما اكتسبنا قدرة أكبر على التصرف في العالم.
تقبّل تحديات ومسؤوليات جديدة ينطوي في الغالب على إخفاقات بالطبع، ويتوقف الكثير على كيفية استجابة الآباء والقادة لتلك الإخفاقات. الطفل الذي يُنفق مصروفه الشهري بأكمله في الأسبوع الأول لا يحتاج إلى التأنيب والعقاب، ولا إلى الإنقاذ. ما يحتاجه هو أن يُترك ليتحمّل العواقب الطبيعية لقرار سيئ — وربما أيضاً أن يتعلم مهارات أفضل في إدارة الميزانية. الفشل، إن أُدير بحكمة، يمكن أن يكون دافعاً عظيماً. أما عدم السماح بالفشل البتة، فهو تعطيل للإمكانات.
بيئات العمل المُدارة جيداً تُشجّع على المبادرة وتُكافئها، وتُقرّ بأن الإخفاقات تقع أحياناً، وتتعامل معها باعتبارها فرصة لمساعدة الناس على التعلم والنمو. في بيئة العمل كما في الأسرة، التعلم من الإخفاقات الصغيرة في مراحلها الأولى يُساعد على تجنب الإخفاقات الأكبر والأشد وطأة لاحقاً، حين تكون المسؤوليات أثقل والرهانات أعلى.
يُساعد وضع قواعد واضحة منذ البداية: التزم بميزانيتك، كن مهذباً، حقق أهدافك، لا تجرِ بالعصي. ضمن منظومة قواعد عادلة وشفافة، يسهل التمييز بين الإخفاقات الناجمة عن انتهاك القواعد وتلك الناجمة عن تجاوز صادق للحدود — ثم الاستجابة لكل منهما على حدة.
الارتقاء إلى مستوى إنسان ناضج ونافع مسيرة طويلة — بل إن النمو والتعلم لا يتوقفان أبداً إن أحسنّا السير فيها. قادة الأعمال الذين يتحدون موظفيهم ويدعمونهم ويُمكّنونهم، كما يفعل الآباء الصالحون مع أبنائهم، يجنون في الغالب ثمار التميز والولاء.
كما نُشر على AccountingWeb- فبراير 2020
