الاستعانة بمصادر خارجية ليست مفهوماً جديداً البتة. إنها تُتيح لنا فصل الأنشطة والنتائج غير الجوهرية، وإن ظلت مهمة، وإسنادها إلى مزود خدمة متخصص، مما يُحرّر وقت الشركة وميزانيتها — في المثل الأمثل — للتركيز على ما نتخصص فيه. نكسب بذلك الوقت والمال معاً: وهما النفط والذهب الحقيقيان في عصرنا هذا.
بيد أنه، كشأن كثير من الأمور، لا يمكننا الاستمرار في فعل الأشياء بالطريقة التي اعتدنا عليها دائماً وتوقع نتائج أفضل أو مختلفة. لذا، أتساءل: أليس قد حان الوقت لإعادة التفكير في الاستعانة بمصادر خارجية وتحويلها لتخدمنا بصورة أكثر فاعلية، وتشتري لنا الوقت حقاً؟
في «ثقافة الانشغال» السائدة اليوم، نتباهى بازدحام جداول أعمالنا كأنها وسام شرف. لكن ربما علينا أن نبدأ بفعل أقل والتفكير أكثر. والحقيقة أن شعار «الوقت من ذهب» الذي تتمسك به كثير من الأفراد والشركات يعود في أصله إلى الثورة الصناعية. فكلما طالت ساعات تشغيل خط الإنتاج، زادت المخرجات، وتعاظم الربح.
وكشأن كثير مما نمارسه حتى اليوم — كالعمل في موقع مركزي من التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءً مثلاً — فإن هذا النهج المقيّد في التفكير والعمل يُعيقنا عن التطور نحو منظمات جاهزة للمستقبل. فضلاً عن ذلك، لا يمكن الاستدامة في هذا النمط من العمل في ظل وتيرة التغيير المتسارعة في العالم. بدأ خط إنتاج الثورة الصناعية يتعثر ويحتاج إلى إصلاحات ودعم متزايد، مما يستهلك قدراً أكبر من وقتنا ومواردنا.
لن يكفينا الوقت أبداً ما دمنا نتمسك بالأساليب القديمة. بدلاً من ذلك، نحتاج إلى تغيير جذري في طريقة إنجاز الأمور. هنا يأتي دور الاستعانة بمصادر خارجية. في الماضي، بدأنا بالاستعانة بالعمالة المباشرة، كخدمات النظافة واللوجستيات والتوصيل وإدخال البيانات وغيرها.
ثم توسّعنا بقبول راضٍ لإسناد التكنولوجيا وعمليات بأكملها، كمعالجة كشوف المرتبات. لا تحتاج الشركات الفردية إلى الاستثمار في التكنولوجيا والخبرة الداخلية لضمان إتمام هذا النشاط المهم — وإن لم يكن جوهرياً — بدقة وفي الموعد المحدد أسبوعاً بعد أسبوع أو شهراً بعد شهر. والحوسبة السحابية في جوهرها برمجيات مُسنَدة إلى الخارج. البرامج متاحة حين نحتاجها، وبالحجم الذي نحتاجه في تلك اللحظة، دون أن نقلق بشأن الترقيات أو دعم الأنظمة الأساسية.
ربما حان الوقت للارتقاء بمفهوم الاستعانة بمصادر خارجية إلى المستوى التالي. حتى الآن، اعتدنا إسناد العمليات كاملةً دون الاهتمام بمدى استمرار ملاءمة العملية الأساسية ذاتها. إن كنا نُضيّع وقتاً طويلاً في إدخال البيانات في نظام ما، أسندنا تلك المهمة لمن يُنجزها أسرع وأرخص. لم نكن نفكر في مراجعة طريقة تحقيق النتيجة؛ المهم أنها أُنجزت. لكن مع تقادم الأساليب التقليدية وتراجع ملاءمتها، تبدأ العوائد في التآكل. بمعنى آخر، تبدأ في كسب وقت أقل وتوفير أموال أقل.
أرى أن هذا إرث من هياكل الإدارة القائمة على الأمر والتحكم، حيث يتركز الاهتمام على الإشراف على إتمام العمل وفق الخطوات المعتمدة، بدلاً من إعادة ابتكار أسلوب الإنجاز. ماذا لو أسندنا إلى الخارج التفكير في كيفية تحسين عملية بعينها، إلى جانب الأدوات اللازمة لذلك؟ إن كنت قد قرأت مقالتي من قبل، فلن يُفاجئك أن أستشهد بمثال إعداد الميزانية القائم على جداول البيانات. هل نستمر في ذلك لمجرد أنه الأسلوب المعهود، وننقل جداول البيانات جيئةً وذهاباً في موسم الميزانية، أم نتوقف لنتأمل في كيف يُقيّد ذلك انطلاق أعمالنا؟
بدلاً من إسناد عملية بالية كاملةً إلى طرف خارجي، يمكننا — وربما ينبغي — أن نُسند العملية ذاتها. فمثلاً في مثال إدخال البيانات أعلاه، يمكننا إسناد المهمة إلى مزود خدمة أتمتة يُعيد التفكير جذرياً في كيفية تحقيق هدفنا. وفجأةً تصبح الوفورات والكفاءات التي وعدنا بها الإسناد الخارجي حقيقةً واقعة. والآن فكّر كيف يمكنك تطبيق هذا داخلياً أيضاً. بدلاً من إسناد مهمة إلى أحد مرؤوسيك بصورة تقليدية، ما رأيك أن «تُسندها» إليه بطريقة تُمكّنه — تاركاً له تحديد أفضل طريقة لتحقيق النتيجة؟
تأمل إذن: ما الكفاءات «الجوهرية» المزعومة الأخرى التي تتمسك بها دون مسوّغ؟ كيف نرتقي إلى مستوى أعلى في التخلص من المسؤوليات غير الجوهرية التي تُشغلنا إلى هذا الحد؟ هل نستخدم الأدوات والعمليات المناسبة للمهمة المطلوبة، أم نستخدمها فقط لأنها الطريقة المعهودة منذ القدم؟
اطرح الأسئلة على كل شيء. اسأل لماذا تُنجَز الأمور بطريقة معينة وهل ثمة طريقة أفضل لإنجازها. نقطة بداية جيدة هي العمليات والأنشطة التي يكره موظفوك القيام بها. لا يوجد سبب يجعل عملية الميزانية تستغرق أشهراً؛ ينبغي أن تستغرق أسابيع. لكن إن وُجد احتكاك في العملية، ستنغمس، وإن كان موظفوك يكرهون أمراً ما، فغالباً ما يكون لذلك سبب وجيه.
وأخيراً، اجعل الشفافية خيارك الأول، وهي نقيض الأمر والتحكم. الشفافية تُعزز الملكية والتمكين والتعاون والالتزام. وهذه هي المقومات التي تدفع الشركات إلى الأمام، لتضمن أن مجموع الأجزاء الفردية يُسهم في كل أكبر مما يمكن تحقيقه بأسلوب متقادم هابط من القمة إلى القاعدة، يُبقي الناس في الظلام.
كما نُشر في Accountingweb – أغسطس 2018
#specialist #Transparency #industrialrevolution #efficiencies #ownership #outsourcing #Empowerment #Technology
