في مقالي السابق، استكشفنا المسؤوليات المصاحبة لتبنّي الذكاء الاصطناعي في الأعمال. والآن، لننقل تركيزنا إلى كيف يمكن لقادة قطاع المحاسبة – وما وراءه – الاستجابة للذكاء الاصطناعي في مكان العمل. ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في التطور والاندماج في عملياتنا اليومية، يجب على القادة أن يوجّهوا فرقهم نحو احتضان هذه التقنية كفرصة لا كتهديد.
ما الشيء الوحيد الذي يمكننا جميعًا أن نحظى بمزيد منه في أيام عملنا؟ الوقت، أليس كذلك؟ علينا جميعًا أن ننجز أكثر بموارد أقل، بينما نخوض في كميات غير مسبوقة من البيانات والمعلومات والتنبيهات المتواصلة لقنوات تواصل متعددة. وتسهم التقنية بلا شك في هذه المشكلة، لكنها أيضًا حل محتمل. وهذا أحد أسباب حماسي للذكاء الاصطناعي في الأعمال ومكان العمل واستخدامي له بانتظام.
جرعة الواقع عن الذكاء الاصطناعي: لقد وصل، وهو باقٍ
مع الوتيرة الحالية للتغير التقني، لا يُعدّ نهج «الانتظار والترقّب» خيارًا. وبينما يرى البعض أنه ينبغي أن نمنح الذكاء الاصطناعي خمس إلى عشر سنوات أخرى لينضج ويصبح مفيدًا حقًا، فالحقيقة أنه موجود بالفعل ويتطور بسرعة. وحتى إن لم تعترف بذلك، فإن أصحاب المصلحة لديك يعترفون: فالموظفون الجدد وأفضل المواهب والعملاء يتوقّعون بشكل متزايد دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات ومكان العمل. والأرجح أنك تستخدمه بالفعل دون أن تدرك. فمن مرشّحات البريد الإلكتروني إلى إدخال البيانات المؤتمت، أصبح الذكاء الاصطناعي بهدوء جزءًا من تدفقات عملنا اليومية، لذا عليك أن تكوّن رأيًا فيه.
وتذكّر، التقنية تتحرك بمعدل أُسّي. فإن تخلّفت الآن، قد يكون اللحاق لاحقًا مستحيلًا. الأمر أشبه بالفائدة المركّبة: كلما بدأت أبكر، كانت الفوائد طويلة الأمد أكبر.
القيادة من الصفوف الأمامية
بصفتك قائدًا، عليك واجب توجيه شركتك نحو النجاح. وهذا يعني أخذ زمام المبادرة في تبنّي الذكاء الاصطناعي — فلا يمكن تفويضه إلى «قيصر ذكاء اصطناعي» مبتدئ بلا سلطة حقيقية. ومع ذلك، أشرِك أعضاء فريقك الأصغر سنًا والمتمرّسين تقنيًا في العملية. فبصيرتهم وفضولهم ودعمهم ستكون لا تُقدّر بثمن.
عُدّة القائد
بالتأكيد، الذكاء الاصطناعي ليس مثاليًا. لكن مثلما شكّل أول هاتف ذكي، رغم محدوديته مقارنةً بأجهزة اليوم، نقلة مهمة في تطور تقنية الهاتف المحمول، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم تضع الأساس للابتكار المستقبلي.
وبصفتنا قادة، ينبغي أن يتمحور دورنا في عصر الذكاء الاصطناعي حول ثلاثة أنشطة رئيسية:
1. ثقّف نفسك وفريقك
ابدأ بالاعتراف بأنك لا تملك كل الإجابات، وأن ذلك لا بأس به. والتزم بالتعلّم عن الذكاء الاصطناعي جنبًا إلى جنب مع فريقك. وأنشئ مساحات يمكن فيها لأفرادك تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئات منخفضة الضغط، وشجّعهم على مشاركة الرؤى والاكتشافات.
2. وجّه استراتيجية الأعمال للذكاء الاصطناعي
لا يعني تبنّي الذكاء الاصطناعي بالضرورة إعادة هيكلة نموذج أعمالك بأكمله. بل ركّز على كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسّن عملياتك القائمة ويرتقي بخدماتك. ومثل ظهور الكهرباء، يملك الذكاء الاصطناعي القدرة على تحسين الكفاءة عبر جميع جوانب عملياتك.
3. أدِر التصورات
تناول الموضوع الذي يتجنّبه الجميع: الخوف من فقدان الوظائف. ساعد فريقك على رؤية الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن أن تحرّرهم من المهام الرتيبة والمتكررة، ما يتيح لهم التركيز على عمل استراتيجي ذي قيمة مضافة يتطلب البصيرة والخبرة الإنسانية. وهذا أكثر إرضاءً لهم، ويضيف قيمة أكبر للمؤسسة، ويجعلهم أكثر تعذّرًا للاستغناء عنهم.
الشراكة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي
يكمن مفتاح الدمج الناجح للذكاء الاصطناعي في فهم حدود الإنسان والذكاء الاصطناعي ونقاط قوتهما، وكيف يكمّل أحدهما الآخر. فالذكاء الاصطناعي يمكنه تحسين جودة المخرجات البشرية وكميتها، لكنه يتطلب إشرافًا بشريًا. حتى الذكاء الاصطناعي نفسه يعترف بأنه مفرط الثقة، ولا يفهم ما يتحدث عنه، وينبغي التحقق من معلوماته.
يحتاج فريقك إلى أن يميل إلى الأمام، لا إلى الخلف، وأن ينخرط نقديًا مع المحتوى الذي يولّده الذكاء الاصطناعي. لكن هذا الانخراط النقدي ليس مهمة بسيطة ولا طريقًا سهلًا للخروج. فهو يتطلب فهمًا عميقًا للموضوع، ولتدفّق العمل العام، وللأهداف المحددة لكل مهمة. ويجب ألا يكون فريقك بارعًا في الجوانب التكتيكية لعمله فحسب، بل أن يمتلك أيضًا إدراكًا استراتيجيًا قويًا لكيفية ولماذا يفعلون الأشياء.
إضافةً إلى ذلك، عليهم أن يكونوا واعين بالاستثناءات للقاعدة، وبالمزالق المحتملة التي قد يغفلها الذكاء الاصطناعي، والأهم، أن يبقوا محدَّثين 100% بالقوانين واللوائح التي قد لا تكون في مجموعة بيانات الذكاء الاصطناعي. وكمكافأة، يمكن لفريقك تطبيق المخرجات التي يولّدها الذكاء الاصطناعي لتوليد ابتكار وأفكار ربما لم يأخذوها في الحسبان من قبل، كل ذلك لمصلحة عملائك وأعمالك. ويتطلب هذا التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي الخبرة والتفكير النقدي والإبداع — وهي مهارات يمكن للبشر أن يبرعوا فيها.
من عدّادي الفاصولياء إلى روّاد؟
الذكاء الاصطناعي في المحاسبة لا يتعلق باستبدال البشر. بل يتعلق بتعزيز القدرات البشرية. وباحتضان الذكاء الاصطناعي، يمكننا أن نجعل مهنتنا أكثر كفاءة ودقة وقيمة للعملاء. وبصفتنا قادة، دورنا هو توجيه هذا التحوّل، بمساعدة فرقنا على رؤية الذكاء الاصطناعي لا كتهديد، بل كفرصة للتميّز في مساراتهم المهنية وتقديم نتائج أفضل لعملائنا. ومن يدري، قد يكون هذا ما يثبت أن المحاسبين ليسوا مملّين بقدر ما يبدو أن الجميع يظن!
كما نُشر في AccountingWeb - أغسطس 2024
