رؤى وتحليلات

كيف تتنبأ بالمستقبل باستخدام البيانات الشاذة

How to predict the future with outlier data

في أيام ما قبل الجائحة، كانت الإجابة على سؤال «لماذا ينبغي لي الاهتمام بالرقمنة والذكاء الاصطناعي؟» في أغلب الأحيان «التحليلات التنبؤية». ويُشير هذا إلى القدرة على توظيف البيانات الضخمة التي تنتجها المنظمة للتنبؤ بالمستقبل، من خلال علم وسحر استخراج البيانات والعمليات الرياضية.

قُدِّمت التحليلات التنبؤية باعتبارها قدرة مستقبلية أساسية للشركات، تُمكّنها من رصد الاتجاهات، وتحديد العلاقة بين السلوكيات، والتنبؤ بالأحداث وظروف السوق بدقة وموثوقية. والغرض من ذلك تمكين الشركات من تنمية أعمالها بالاستعداد للتحديات، والحد من المخاطر، واغتنام الفرص في الوقت المناسب. تلك كانت الجزرة.

أما العصا، فكانت أنه إذا لم تُطلق القوة التنبؤية لبياناتك، فإن منافسيك سيُطلقون بياناتهم بالتأكيد ويتركونك خلفهم بفارق متسع باستمرار.

كان بإمكان كل قطاع تقريباً الاستفادة من التحليلات التنبؤية: فبإمكان شركات الطيران التنبؤ بأعداد المسافرين، وشركات الطاقة التنبؤ بالطلب على الكهرباء، والمتاجر تقديم ما يريده المستهلكون في الوقت المناسب، والمصنّعون تجنّب أوقات التوقف وخفض التكاليف من خلال التنبؤ بدقة بمواعيد صيانة القطع أو استبدالها.

ثم جاءت COVID-19. لقد كان تأثيرها، كما نعلم جميعاً، واسع النطاق، وقد أضعف إلى حد بعيد التحليلات التنبؤية. تعتمد هذه التحليلات على قدرة الآلات على رصد الأنماط في كميات هائلة من البيانات بشكل أفضل مما نستطيع، ثم التعلم من هذه الأنماط للتنبؤ بالمستقبل بدقة وموثوقية. لكن اليوم، أصبحت أي جهود للتحليلات التنبؤية متأثرة بسنتين إلى ثلاث سنوات من البيانات غير النمطية. وعندما تعود الأمور إلى طبيعتها — نأمل أن يكون ذلك في 2022 أو 2023 حسب الجدول الزمني للتطعيم وقدرته على التكيّف مع متحورات الفيروس — فإن البيانات المُولَّدة حينئذ لن تستأنف من حيث توقفت سنة 2019. بل إننا على الأرجح سيكون لدينا خط أساس جديد نُعيد منه ضبط توقعاتنا المستقبلية، إذ ربما تغيّرت الأمور تغيّراً جوهرياً منذ عام 2019.

خذ السفر مثالاً. الآن وقد بات واضحاً أن بإمكان الأعمال أن تُدار في جميع أنحاء العالم دون ركوب الطائرة، هل من المرجح أن يعود السفر التجاري إلى مستويات ما قبل 2020؟ إن إدراك أن السفر بعيد المدى ليس ضرورة دائمة سيتقاطع مع أهداف الاستدامة للشركات، وستُدرك الشركات بلا شك أيضاً حجم الأموال التي يمكنها توفيرها (وهو أمر مربح للجميع). وسيُلقي تراجع السفر التجاري عن مستويات ما قبل الجائحة بظلاله على الفنادق وتأجير السيارات وتأجير أماكن الفعاليات وعدد كبير من الأعمال الداعمة لهذه الرحلات.

في المقابل، من المرجح أن يحتفظ قطاع مثل التجارة الإلكترونية، الذي تلقّى دفعة لا شك فيها من الجائحة، بكثير من هذه الأعمال الجديدة. خلال الجائحة، سرّعت الشركات نشر منصاتها للتجارة الإلكترونية وحسّنت عروضها، وجرّب كثير من المستهلكين المتأخرين التسوق عبر الإنترنت للمرة الأولى بسبب الإغلاق والمخاوف الصحية. لا شك أن بعض هؤلاء المستهلكين سيعودون إلى المتاجر التقليدية حين يتسنى لهم ذلك، غير أنني أرجّح أن كثيراً من المتحوّلين الجدد سيستمرون في إجراء جزء على الأقل من مشترياتهم عبر الإنترنت، بفضل الراحة والاختيار الأوسع.

السؤال الكبير في كلتا الحالتين هو: كم عدد الشركات والأفراد الذين سيجعلون هذا التغيير دائماً وإلى أي مدى؟ وهذا ما يُضعف إمكانية التنبؤ بالبيانات السابقة لعام 2020.

لكن اليوم، كل البيانات التي لدينا هي بيانات شاذة، أي أنها غير موثوقة كبيانات أساسية يمكن الاستناد إليها للتنبؤ بالنتائج المستقبلية. نحن في منطقة مجهولة، ومن هنا موقفي بأن 2022/3 ستمثّل خط أساس جديداً. إذا كنا بحاجة إلى الانتظار لبناء قاعدة بيانات «طبيعية» لإدخالها في نماذج التحليلات التنبؤية، فكيف تُخطّط الشركات اليوم؟

في الواقع، لدى المحاسبين نموذج لذلك بالفعل: الميزانية على أساس الصفر. باعتماد نهج الصفر في الميزانية والتوقعات من خلال النمذجة المالية، تستطيع الشركات تجاوز اعتماد التحليلات التنبؤية على البيانات التاريخية. بدلاً من النظر إلى بيانات الشهر الماضي أو السنة الماضية والاستقراء منها، يمكن للشركات الرجوع إلى توقعاتها الخاصة، المستوحاة من تجاربها وتوقعاتها، ذات الصلة بظروفها الفريدة.

ميزة أخرى لهذا النهج هي أن نموذجك المالي بات متجذّراً في الواقع؛ يمكن اختبار أرقامك وفق مجموعة متنوعة من الافتراضات المرنة، بمستويات دقيقة جداً، وعبر منظمتك بأكملها. قد تُجسّد هذه التقديرات الأفضل صورةً لما قد يبدو عليه غدك في مستقبل بعض الشيء غير مؤكد.

نعم، هذا نهج يعود إلى الأساسيات إلى حد ما وقد يكون أكثر يدوية بعض الشيء. لكن حين لا تجد بيانات اتجاهات تاريخية تعتمد عليها، فإنك تضطر للأسف إلى البدء من الصفر، وهو ما سيعني بلا شك تحدّي القاعدة الراسخة.

كما نُشر في AccountingWeb - March 2021