لم يعد صعود الآلات يبدو لي خيالاً علمياً بعد الآن. كثيرون منا يتذكرون حقبةً في مسيرتهم المهنية قبل ظهور الهواتف المحمولة والبريد الإلكتروني. واليوم نسمع عن طائرات مسيّرة شبه مستقلة وسيارات ذاتية القيادة — فالتكنولوجيا تتقدم بوتيرة مذهلة. ومع هذه التطورات يظهر المشككون بتنبؤاتهم الكارثية: فإن لم تُدهسك سيارة ذاتية القيادة، أو يقصفك طائرة مسيّرة عن طريق الخطأ، فأنت على الأقل مرشح لأن تخسر وظيفتك لصالح آلة.
وبالفعل، صرّح كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا Andy Haldane العام الماضي بأن ما يقارب نصف القوى العاملة في المملكة المتحدة، أي 15 مليون وظيفة، قد تُحلّ محلها آلات متزايدة الذكاء خلال السنوات الـ 20 المقبلة.
لقد أحدثت الآلات بالفعل خللاً في وضعنا الراهن، وستواصل ذلك في المستقبل، فتقبّلوا هذه الحقيقة. لكن ربما يمكننا توظيف ذلك لصالحنا.
Toby Walsh، أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية، متفائل للغاية بشأن القيمة التي يمكن للروبوتات أن تُضيفها إلى بيئة العمل.
رأيه أن الآلات ستتولى المهام المملة والمتكررة والمرهقة ذهنياً أو الخطرة. وستؤدي هذه المهام بشكل أفضل منا، لفترة أطول، دون أن تتعب أو تُخطئ، على مدار 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع، طوال أيام السنة.
خذوا مثلاً شركة التعدين الأسترالية Rio Tinto. العام الماضي، أصبحت اثنتان من مناجمها أولى المناجم التي تنقل خام الحديد بالكامل باستخدام شاحنات بلا سائق يتم التحكم فيها عن بُعد. الشاحنات الـ 22 في المناجم المؤتمتة بالكامل، إضافةً إلى 47 شاحنة أخرى في مناجم أخرى في أستراليا الغربية، يُتحكم فيها من مدينة Perth على بُعد أكثر من 1,000 كيلومتر. تعمل هذه الشاحنات 24 ساعة في اليوم و365 يوماً في السنة، ولا تتوقف لقضاء الحاجة أو لتناول الغداء، والأهم أنها لا تُصاب بالإجهاد في بيئة عالية المخاطر. وتؤكد Rio Tinto أن ذلك يُوفّر لها 500 ساعة عمل سنوياً. وعلى الرغم من أن سائقي الشاحنات الأصليين (البشر) أُعيد توظيفهم على الأرجح، فقد عانى المنجم من صعوبة في تجنيد مشغّلي التحكم عن بُعد. وهذا أمر غير مستغرب، إذ أن هذه الوظيفة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
يتفق Walsh مع هذا الطرح، قائلاً إن الثورة الرقمية، شأنها شأن الثورة الصناعية، ستُدمّر وظائف وتخلق أخرى، غير أن الوظائف ذات الياقات البيضاء باتت هي الأخرى في دائرة الخطر هذه المرة. هذا التوجه ليس جديداً: فمنذ عام 2000 ارتفع الإنتاج وتراجع التوظيف. ثمة احتمالان: إما أن يحلّ محلك حاسوب، أو أنك ستستخدم حاسوباً لأداء عملك بشكل أفضل.
لكن لماذا هو متفائل؟ بالمقارنة مع التحسينات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها الثورة الصناعية — من تقليص ساعات العمل، وتوفير الرعاية الاجتماعية وغيرها — لدينا اليوم فرصة لإعادة تعريف حياتنا المهنية، وتحريرنا للاهتمام بأمور أخرى، بما فيها التعلّم مدى الحياة الذي سنحتاجه للازدهار في اقتصاد رقمي دائم التغير.
أعتقد أن ذلك يبدأ بأفراد ذوي نظرة استشرافية وقدرة على التكيّف. فكما تُنصح الشركات بإحداث ثورة داخلية قبل أن تتعرض لثورة خارجية، نحن المهنيين بحاجة إلى الدخول في مساحة التحوّل الشخصي. فلماذا لا نأخذ زمام الأمور بأيدينا ونبدأ بأتمتة الجزء المتكرر والمملّ من وظائفنا، مما يُفرغ أذهاننا للتفكير الإبداعي والاستراتيجي؟ فهذا هو المكان الذي يمكننا فيه إضافة قيمة حقيقية، بدلاً من الاكتفاء بإنجاز العمل المعتاد كل شهر.
لنتأمل الوظيفة المالية. لدينا الفرصة لإحداث تحوّل جذري في الأدوار والمسؤوليات، بنقل الدور المالي من المحاسبة التشغيلية إلى أن يصبح عاملاً للتغيير ومحركاً للاستراتيجية في المنظمة. يمكنكم البدء اليوم بخطوات صغيرة مع الحفاظ على العقل المنفتح. لا تحتاجون إلى إتقان كل شيء من المحاولة الأولى، طالما تتعلمون من كل تجربة. هل هناك مهمة يومية واحدة يمكنكم أتمتتها اليوم؟ افعلوا ذلك وراقبوا النتيجة. سيمنحكم هذا الفرصة لتحرير الطاقة الكامنة عبر نقل العمليات وأتمتتها، مما يتيح لكم الوقت لإجراء التحليلات اللازمة للتنبؤ العملي بالمستقبل، وتبسيط العمليات لضمان استمرار الكفاءة والإنتاجية مستقبلاً.
ثم، هل ثمة مهارة كنتم تودّون اكتسابها لتطوير مسيرتكم المهنية — يُفضَّل أن تكون شيئاً لا تستطيع الآلات تكراره، ولعلها تنطوي على الإبداع والذكاء العاطفي؟ في عالم اليوم، يجب عليكم مواصلة التعلّم: نظامنا التعليمي الموحّد يتعارض تعارضاً جوهرياً مع عالم رقمي متسارع.
واصلوا الاختبار والتجريب بأساليب جديدة، وستجدون أنفسكم مستعدين للاطلاع على ما وراء الأفق وتشكيل مستقبل مؤسساتكم.
نُشر في ASA Magazine نوفمبر 2016
http://www.accountancysa.org.za/analysis-give-the-machines-a-leg-up/
#future #disrupt #workplace #computer #ArtificialIntelligene #automate #finance #machine #emploment #AI #productivity #digital #adaptable #Technology
