عالم الأعمال اليوم مكان مُربك ومتسارع التغيّر. لكن لا تقع في فخ الجمود والتقاعس، فهذا سيكلفك ثمناً باهظاً على المدى البعيد، يقول Kevin Phillips
«إن أكبر أعداء التغيير والقيادة ليس كلمة “لا”، بل “ليس بعد”. و“ليس بعد” هو الأسلوب الأكثر أماناً وسهولةً لتأجيل التغيير.» – Seth Godin
في رحلة حديثة قمت بها إلى نيوزيلندا، أُغلق مطار أوكلاند وتوقفت عملياته عندما جرى حفر خط الأنابيب الذي يزوده بوقود الطائرات عن طريق الخطأ. يبدو أمراً لا يُصدَّق أن يكون هناك نقطة فشل واحدة بهذه الضخامة في مطار بالغ الأهمية إقليمياً. وأعلن أحد أصحاب المصلحة في مقابلة إذاعية أن تكلفة مدّ خط أنابيب إضافي لم تكن مبررة، إذ لن يُستخدم إلا نادراً، إن استُخدم أصلاً.
أليس هذا هو التعريف الحرفي للنسخ الاحتياطي؟
بدلاً من ذلك، أُوقفت مئات الطائرات أو تأخرت، واضطرّ المطار إلى نقل الوقود بالشاحنات بطريقة غير فعّالة وبتكاليف باهظة، ولم تُصلَح الأنبوب وتُعاد تشغيله إلا بعد عشرة أيام. ربما كانت هذه الفلسفة الإدارية القائمة على افتراض أن كل شيء سيسير على ما يرام مقبولةً قبل عقود، لكنها اليوم متجاوزة تماماً في عالم تتغير متطلباته وتوقعاته بسرعة متزايدة.
الفرسان الثلاثة لنهاية عصر الجمود
قال Warren Buffett ذات مرة في اجتماعه السنوي للمستثمرين: «التقاعس يبدو لنا سلوكاً ذكياً.» ويصعب الاعتراض على ذلك إذا كان تقاعساً واعياً ومتعمداً، ناتجاً عن تقييم دقيق للوضع وقرار بأن الحفاظ على الوضع الراهن هو المسار الأقل مخاطرة والأفضل استثماراً للموارد المتاحة. أما التقاعس الأعمى والمتسرع، والمقاومة للابتكار والتحسين، وحتى إهمال الصيانة والمراقبة، فهذه مسألة مختلفة تماماً.
«سأفكر في الأمر.» في تجربتي، نادراً ما تُفضي هذه الاستجابة للابتكار أو لعملية أو منتج جديد إلى قرار إيجابي يدفع الأعمال إلى الأمام. سواء أكان ذلك تجنباً للتغيير، أم خوفاً من الفشل عند الشروع في شيء جديد، أم الخطر المتصوَّر أو الحقيقي من إزعاج المسؤول، أم الكسل، أم التفكير المألوف «إذا لم يكن معطوباً فلا تُصلحه»، فالنتيجة المعتادة هي غياب القرار كلياً!
معظم الشركات الناشئة وغيرها من الشركات التي تسعى إلى تغيير الطريقة التي اعتادت عليها في تقديم خدماتها لعملائها ستتعرف على هذه الصورة. منافسك في إتمام الصفقة لا يكون في الغالب شركة أخرى تعرض منتجاً أو خدمة مماثلة؛ بل هو عادةً رد «ليس بعد» أو «نحن نفكر في الأمر».
أو ما أحب تسميته بالفرسان الثلاثة لنهاية عصر الجمود: المقاومة في البدء بالتحرك، أو التسريع، أو تغيير الاتجاه. وهذا الثالوث الأسود يتجمّع ليشكّل وضعاً خطيراً تُهمَل فيه مهام تكلفة التقاعس يوماً بعد يوم.
مهام تكلفة التقاعس
مهام تكلفة التقاعس؟ ربما يبدو هذا اختياراً غريباً للكلمات، لكنني أحبّ أن أعتبر هذه المهام تلك التي تكلّف المال دون أن تدرّ عائداً مباشراً في البداية على الأقل. هي مهام الصيانة والتحسين والتطوير التي تستنزف الوقت والموارد من مجالات أخرى، لكن لأنها وقائية أو تُهيّئ مؤسستك للمستقبل، يصعب قياس تكلفة عدم تنفيذها لأن ذلك يظل في معظمه اعتباطياً. حتى تصبح الحالة حرجة ويتضح أنها كلّفتك غالياً.
هذه أيضاً هي المشاريع التي يمكنها تحويل نموذج عمل مؤسستك، وبناء أساس للابتكار والنمو والنجاح المستقبلي. ومن هنا يكمن خطر عدم تنفيذها. مثال على ذلك نقل عملياتك إلى السحابة. إذا أهملت الاستثمار في الوقت والمال اليوم، فقد تجد نفسك في موضع متأخر غداً حين يقدم منافسوك خدمات وابتكارات سحابية لا تستطيع أنت ببساطة تقديمها.
لنأخذ مثال مدينتي، كيب تاون. كغيرها من المدن والمناطق حول العالم، نجد أنفسنا في بداية ما يبدو أزمة جفاف طويلة الأمد. فجأةً، أصبحت الصنابير المتسرّبة التي كان يمكن إصلاحها قبل أشهر وسنوات قضيةً حرجة — لكن الناس كانوا مشغولين، أو كانوا سيضطرون لتعديل ميزانيتهم المنزلية، أو ببساطة لم يعرفوا أين يجدون سبّاكاً جيداً. قبل أشهر وسنوات، كان من الصعب تقدير تكلفة التقاعس. اليوم، مع انخفاض مستويات المياه وارتفاع تكاليفها في المدينة، باتت تكلفة التقاعس واضحة للعيان.
وعلى مستوى أعمق، يتضح أن تكلفة التقاعس أدت أيضاً إلى الإبقاء على الوضع الراهن. بينما تزداد حرارة الصيف وتقصر موسم أمطار الشتاء، واصلت «الإدارة» — أي مسؤولو المدينة — الاعتماد على السدود الكبيرة في مناطق حوض تصريف محددة لتأمين مياهنا.
الآن، مع تغيّر الأنماط المناخية ونمو السكان، أدركوا متأخرين جداً الحاجة إلى تغيير نهج إدارة المياه. ما نجح العام الماضي لن ينجح العام القادم. إدارة الأزمات التي نعيشها اليوم ستكون مكلفة، وهي تكلفة كان يمكن التخفيف منها بشكل كبير لو جرى تبني تخطيط مستقبلي أكثر ابتكاراً أو معالجة بعض مهام تكلفة التقاعس في وقت مناسب. يتبادر إلى الذهن المثل القائل «درهم وقاية خير من قنطار علاج».
الابتكار من أجل البقاء
في عالم الأعمال، كثيراً ما تكون مهام تكلفة التقاعس هي أيضاً الخطوات الصغيرة اللازمة للابتكار. كثيراً ما يُصوَّر الابتكار على أنه حدث شامل يُحدث تحولاً جذرياً في الأنماط ويأتي دفعةً واحدة. لكنه يشمل التحسينات التدريجية في المنتجات والخدمات والعمليات، ويطرح السؤال: ما الخطوة التالية؟
ليس مستغرباً أن يكون التعلق غير الصحي بالوضع الراهن والمقاومة للتغيير جزءاً من نسيج معظم المؤسسات. لا تزال الشركات كثيراً ما تُبنى وفق مواصفات الثورة الصناعية. حين كانت خطوط الإنتاج قلب العمليات، كان ينبغي للأمور أن تكون قابلة للتكرار والتوقع وخالية من المخاطر. وبالمثل، نجح منهج Waterfall في تصميم الأجهزة لكن لم يكن ينبغي نقله برمّته إلى عالم البرمجيات. والآن إذ تقترب حقبة الثورة الصناعية من نهايتها، يصبح هذا النوع من التفكير متجاوزاً بصورة متزايدة.
وتتفاقم ثقافة تجنّب المخاطر ونهج «الإبقاء على المسار» في أوقات الضائقة الاقتصادية وتقليص التكاليف وحين تنشغل الإدارة بحماية معاشاتها التقاعدية بدلاً من تحدي الوضع الراهن. وهذا يعني أن مهام تكلفة التقاعس تُستبعد حتى فوات الأوان، إذ تكون الأهداف السهلة حين يُبحث عن تكاليف يمكن خفضها.
الشركات الناشئة لا تعاني من هذا العجز عن التغيير، ولا تتمسك بالطريقة التي كانت تُنجز بها الأمور دائماً. وهذا يمنحها نافذة فرصة للابتكار وإسعاد عملائك لا تملكها أنت ببساطة.
وبينما قد يكون الجمود جزءاً لا يتجزأ من نموذج عمل كل عقد رياضي، فإن الجمود المؤسسي قد تجاوز تاريخ صلاحيته وقد يتركك عالقاً في مكانك، كما حدث مع الطائرات المارّة بـ Auckland.
كما نُشر في مجلة Accountancy SA – نوفمبر 2017 https://www.accountancysa.org.za/regulars-a-heavy-price-tag-on-doing-nothing/
#optimisation #Leadership #improvement #competitors #growth #stakeholder #cloudenabled #inertia #innovation #investors
